فصل: تفسير الآيات (1- 11):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (نسخة منقحة)



.سورة البينة:

.تفسير الآيات (1- 5):

{لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (1) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (2) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (3) وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (4) وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (5)}
وفي حرف أبي بن كعب: {ما كان الذين}، وفي حرف ابن مسعود: {لم يكن المشركين وأهل الكتاب منفكين} وقوله تعالى: {منفكين} معناه منفصلين متفرقين، تقول انفك الشيء عن الشيء إذا انفصل عنه، وما انفك التي هي من أخوات كان لا مدخل بها في هذه الآية، ونفى في هذه الآية أن تكون هذه الصنيعة منفكة، واختلف الناس عماذا، فقال مجاهد وغيره: لم يكونوا {منفكين} عن الكفر والضلال حتى جاءتهم البينة، وأوقع المستقبل موضع الماضي في {تأتيهم}، لأن باقي الآية وعظمها لم يرده بعد، وقال الفراء وغيره: لم يكونوا {منفكين} عن معرفة صحة نبوة محمد عليه السلام، والتوكف لأمره حتى جاءتهم البينة تفرقوا عند ذلك، وذهب بعض النحويين إلى هذا النفي المتقدم مع {منفكين} يجعلها تلك التي هي مع كان، ويرى التقدير في خبرها عارفين أمر محمد أو نحو هذا، ويتجه في معنى الآية قول ثالث بارع المعنى، وذلك أن يكون المراد لم يكن هؤلاء القوم {منفكين} من أمر الله تعالى وقدرته ونظره لهم حتى يبعث إليهم رسولاً منذراً تقوم عليهم به الحجة، وتتم على من آمن النعمة، فكأنه قال: ما كانوا ليتركوا سدى وبهذا المعنى نظائر في كتاب الله تعالى، وقرأ بعض الناس: {والمشركون} بالرفع، وقرأ الجمهور: {والمشركين} بالخفض ومعناهما بين، و{البينة} معناه: القصة البينة والجلية، والمراد محمد عليه السلام، وقرأ الجمهور: {رسولُ الله} بالرفع وقرأ أبي: {رسولاً} بالنصب على الحال، والصحف المطهرة: القرآن في صحفه، قاله الضحاك وقتادة، وقال الحسن والصحف المطهرة في السماء، وقوله عز وجل: {فيها كتب قيمة} فيه حذف مضاف تقديره فيها أحكام كتب وقيمة: معناه قائمة معتدلة آخذة للناس بالعدل وهو بناء مبالغة، فإلى {قيمة} هو ذكر من آمن من الطائفتين، ثم ذكر تعالى مذمة من لم يؤمن من أهل الكتاب من بني إسرائيل من أنهم لم يتفرقوا في أمر محمد إلا من بعد ما رأوا الآيات الواضحة، وكانوا من قبل مصفقين على نبوته وصفته، فلما جاء من العرب حسدوه، وقرأ جمهور الناس: {مخلِصين} بكسر اللام، وقرأ الحسن بن أبي الحسن: {مخلَصين} بفتح اللام، وكأن {الدين} على هذه القراءة منصوب ب {بعد} أو بمعنى يدل عليه على أنه كالظرف أو الحال، وفي هذا نظر، وقيل لعيسى عليه السلام: من المخلص لله؟ قال الذي يعمل العمل لله ولا يحب أن يحمده الناس عليه، و{حنفاء}: جمع حنيف وهو المستقيم المائل إلى طرق الخير، قال ابن جبير: لا تسمي العرب حنيفاً إلا من حج واختتن، وقال ابن عباس: {حنفاء}: حجاجاً مسلمين، و{حنفاء} نصب على الحال، وكون {الصلاة} مع {الزكاة} في هذه الآية مع ذكر بني إسرائيل إنما دفع لمناقضة أهل الكتاب بالمدينة، وقرأ الجمهور: {وذلك دين القيمة} على معنى الجماعة القيمة أو الفرقة القيمة، وقال محمد بن الأشعث الطالقاني: هنا الكتب التي جرى ذكرها، وقرأ بعض الناس: {وذلك الدين القيمة}، فالهاء في {القيمة} على هذه القراءة كعلامة ونسابة، ويتجه ذلك أيضاً على أن يجعل {الدين} بمنزلة الملة.

.تفسير الآيات (6- 8):

{إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ (6) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8)}
حكم الله في هذه الآية بتخليد الكافرين من {أهل الكتاب والمشركين} وهم عبدة الأوثان في النار وبأنهم {شر البريّة}، و{البريّة} جميع الخلق لأن الله تعالى برأهيم أو أوجدهم بعد العدم، وقرأ نافع وابن عامر والأعرج: {البريئة} بالهمز من برأ، وقرأ الباقون والجمهور: {البريّة} بشد الياء بغير همز على التسهيل، والقياس الهمز إلا أن هذا مما ترك همزة كالنبي والذرية، وقرأ بعض النحويين: {البرية} مأخوذ من البراء وهو التراب، وهذا الاشتقاق يجعل الهمز خطأ وغطاً وهو اشتقاق غير مرضي، و{الذين آمنوا وعملوا الصالحات} شروط جميع أمة محمد، ومن آمن بنبيه من الأمم الماضية، وقرأ بعض الناس {خير}.
وقرأ بعض قراء مكة: {خيار} بالألف، وروي حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قرأ هذه الآية: {أولئك هم خير البريئة}.
ثم قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه «أنت يا علي وشيعتك من خير البرية»، ذكره الطبري، وفي الحديث: أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه وسلم: «يا خير البرية»، فقال له: ذلك إبراهيم عليه السلام، وقوله تعالى: {جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار} فيه حذف مضاف تقديره سكنى {جنات عدن} أو دخول {جنات عدن}، والعدن الإقامة والدوام، عدن بالموضع أقام فيه، ومنه المعدن لأنه رأس ثابت، وقال ابن مسعود: {جنات عدن} بطنان الجنة أي سوطها، وقوله: {رضي الله عنهم ورضوا عنه} قيل ذلك في الدنيا، ورضاه عنهم هو ما أظهره عليهم من أمارات رحمته وغفرانه، ورضاهم عنه: هو رضاهم بجميع ما قسم لهم من جميع الأرزاق والأقدار. قال بعض الصالحين: رضى العباد عن الله رضاهم بما يرد من أحكامه، ورضاه عنهم أن يوفقهم للرضى عنه، وقال أبو بكر بن طاهر: الرضى عن الله خروج الكراهية عن القلب حتى لا يكون إلا فرح وسرور، وقال السري السقطي: إذا كنت لا ترضى عن الله فكيف تطلب منه الرضا عنك؟ وقيل ذلك في الآخرة، فرضاهم عنه رضاهم بما من به عليهم من النعم، ورضاهم عنه هو ما روي أن الله تعالى يقول لأهل الجنة: هل رضيتم بما أعطيتكم؟ فيقولون: نعم ربنا وكيف لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من العالمين، فيقول: أنا أعطيكم أفضل من كل ما أعطيتكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً، وخص الله بالذكر أهل الخشية لأنها رأس كل بركة الناهية عن المعاصي الآمرة بالمعروف.

.سورة الزلزلة:

.تفسير الآيات (1- 8):

{إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا (1) وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا (2) وَقَالَ الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (3) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (4) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (5) يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (6) فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}
العامل في: {إذا} على قول جمهور النحاة وهو الذي يقتضيه القياس فعل مضمر يقتضيه المعنى وتقديره: تحشرون أو تجازون، ونحو هذا، ويمتنع أن يعمل فيه {زلزلت} لأن {إذا} مضافة إلى {زلزلت}، ومعنى الشرط فيها ضعيف وقال بعض النحويين: يجوز أن يعمل فيها {زلزلت}، لأن معنى الشرط لا يفارقها، وقد تقدمت نظائرها في غير سورة، و{زلزلت} معناه: حركت بعنف، ومنه الزلزال، وقوله تعالى: {زلزالها} أبلغ من قوله: زلزال، دون إضافة إليها، وذلك أن المصدر غير مضاف يقع على كل قدر من الزلزال وإن قل، وإذا أضيفت إليها وجب أن يكون على قدر ما يستحقه ويستوجبه جرمها وعظمها، وهكذا كما تقول: أكرمت زيداً كرامة فذلك يقع على كل كرامة وإن قلت بحسب زيد، فإذا قلت كرامته أوجبت أنك قد وفيت حقه، وقرأ الجمهور: {زِلزالها} بكسر الزاي الأولى، وقرأ بفتحها عاصم الجحدري، وهو أيضاً مصدر كالوسواس وغيره. و{الأثقال}: الموتى الذين في بطنها قاله ابن عباس، وهذه إشارة إلى البعث، وقال قوم من المفسرين منهم منذر بن سعيد الزجاج والنقاش: أخرجت موتاها وكنوزها.
قال القاضي أبو محمد: وليست القيامة موطناً لإخراج الكنوز، وإنما تخرج كنوزها وقت الدجال، و{قول الإنسان ما لها} هو قول على معنى التعجب من هول ما يرى، قال جمهور المفسرين: {الإنسان} هنا يراد به الكافر، هذا متمكن لأنه يرى ما لم يظن به قط ولا صدقه، وقال بعض المتأولين هو عام في المؤمن والكافر، فالكافر على ما قدمناه، والمؤمن وإن كان قد آمن بالبعث فإنه استهول المرأى، وقد قال صلى الله عليه وسلم: «ليس الخبر كالمعاينة» وأخبار الأرض قال ابن مسعود والثوري والثوري وغيره: هو شهادتهما بما عمل عليها من عمل صالح أو فاسد، فالحديث على هذا حقيقة، والكلام بإدراك وحياة يخلقها الله تعالى، وأضاف الأخبار إليها من حيث وعتها وحصلتها، وانتزع بعض العلماء من قوله تعالى: {تحدث أخبارها} أن قول المحدث: حدثنا وأخبرنا سواء، وقال الطبري وقوم: التحديث في الآية مجاز، والمعنى أن تفعله بأمر الله من إخراج أثقالها وتفتت أجزائها وسائر أحوالها هو بمنزلة التحديث بأنبائها وأخبارها، ويؤيد القول الأول قول النبي صلى الله عليه وسلم: «فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء، إلا شهد له يوم القيامة»، وقرأ عبد الله بن مسعود: {تنبئ أخبارها}، وقرأ سعيد بن جبير: {تبين} وقوله تعالى: {بأن ربك أوحى لها} الباء باء السبب، وقال ابن عباس وابن زيد والقرظي المعنى: {أوحى لها}، وهذا الوحي على هذا التأويل يحتمل أن يكون وحي إلهام، ويحتمل أن يكون وحياً برسول من الملائكة، وقد قال الشاعر:
أوحى لها القرار فاستقرت ** وشدها بالراسيات الثبت

والوحي في كلام العرب إلقاء المعنى إلقاء خفياً، وقال بعض المتأولين: {أوحى لها} معناه: {أوحى} إلى ملائكته المصرفين أن تفعل في الأرض تلك الأفعال، وقوله تعالى: {لها} بمعنى: من أجلها ومن حيث الأفعال فيها فهي لها، وقوله تعالى: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} بمعنى: يتصرفون موضع وردهم مختلفي الأحوال وواحد الأشتات: شت، فقال جمهور الناس: الورد، هو الكون في الأرض بالموت والدفن، والصدر: هو القيام للبعث، و{أشتاتاً}: معناه: قوم مؤمنون وقوم كافرون، وقوم عصاة مؤمنون، والكل سائر إلى العرض ليرى عمله، ويقف عليه، وقال النقاش: الورد هو ورد المحشر، والصدر {أشتاتاً}: هو صدر قوم إلى الجنة، وقوم إلى النار، وقوله تعالى: {ليروا أعمالهم} إما أن يكون معناه جزاء أعمالهم يراه أهل الجنة من نعيم وأهل النار بالعذاب، وإما أن يكون قوله تعالى: {ليروا أعمالهم} متعلقاً بقوله: {بإن ربك أوحى لها}، ويكون قوله: {يومئذ يصدر الناس أشتاتاً} اعتراضاً بين أثناء الكلام، وقرأ جمهور الناس: {ليُروا}، بضم الياء على بناء الفاعل للمفعول، وقرأ الحسن والأعرج وحماد بن سلمة والزهري وأبو حيوة: {ليَروا} بفتح الياء على بنائه للفاعل، ثم أخبر تعالى أنه من عمل عملاً رآه قليلاً كان أو كثيراً، فخرجت العبارة عن ذلك بمثال التقليل، وهذا هو الذي يسميه أهل الكلام مفهوم الخطاب، وهو أن يكون المذكور والمسكوت عنه في حكم واحد، ومنه قوله تعالى: {فلا تقل لهما أف} [الإسراء: 23]، وهذا كثير، وقال ابن عباس وبعض المفسرين: رؤية هذه الأعمال هي في الآخرة، وذلك لازم من لفظ السورة وسردها، فيرى الخير كله من كان مؤمناً، والكافر لا يرى في الآخرة خيراً، لأن خيره قد عجل له في الدنيا، وكذلك المؤمن أيضاً تعجل له سيئاته الصغار في دنياه في المصائب والأمراض ونحوها فيجيء من مجموع هذا أن من عمل من المؤمنين {مثقال ذرة} من خير أو شر رآه، ويخرج من ذلك أن لا يرى الكافر خيراً في الآخرة، ومنه حديث عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت يا رسول الله: أرأيت ما كان عبد الله بن جدعان يفعله نم البر وصلة الرحم وإطعام الطعام، ألَهُ في ذلك أجر؟ قال: «لا، لأنه لم يقل قط رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم، يسمي هذه الآية الجامعة الفادة، وقد نص على ذلك حين سئل عن الحمر الحديث، وأعطى سعد بن أبي وقاص سائلاً ثمرتين فقبض السائل يده فقال له سعد: ما هذا؟ إن الله تعالى قبل منا مثاقيل الذر وفعلت نحو هذا عائشة في حبة عنب وسمع هذه الآية صعصعة بن عقال التيمي عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: حسبي لا أبالي أن لا أسمع غيرها، وسمعها رجل عند الحسن، فقال: انتهت الموعظة، فقال الحسن: فقه الرجل، وقرأ هشام عن ابن عامر وأبو بكر عن عاصم: {يره}، بسكون الهاء في الأولى والأخيرة، وقرأ ابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ونافع فيما روى عنه ورش والحلواني عن قالون عنه في الأولى {ير هو} وأما الآخرة فإنه سكون وقف، وأما من أسكن الأولى فهي على لغة من يخفف أمثال هذا.

.سورة العاديات:

.تفسير الآيات (1- 11):

{وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6) وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (7) وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (8) أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (9) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (10) إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (11)}
اختلف الناس في المراد: ب {العاديات}، فقال ابن عباس وقتادة ومجاهد وعكرمة: أراد الخيل لأنها تعدو بالفرسان وتصيح بأصواتها، قال بعضهم: وسببها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلاً إلى بني كنانة سرية فأبطأ أمرها عليه حتى أرجف بهم بعض المنافقين، فنزلت الآية معلمة أن خيله عليه السلام قد فعلت جميع ما في الآية، وقال آخرون: القسم هو بالخيل جملة لأنها تعدو ضابحة قديماً وحديثاً، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وحديثاً، وهي حاصرة البلاد وهادمة الممالك، وفي نواصيها الخير إلى يوم القيامة، وقال علي بن أبي طالب وابن مسعود وإبراهيم وعبيد بن عمير: {العاديات} في هذه الآية: الإبل لأنها تضبح في عدوها، قال علي: والقسم بالإبل العاديات من عرفة ومن مزدلفة إذا وقع الحاج وبإبل غزوة بدر فإنه لم يكن في الغزوة غير فرسين: فرس المقداد وفرس الزبير بن العوام، والضبح: تصويت جهير عند العدو الشديد ليس بصهيل ولا رغاء ولا نباح، بل هو غير المعاد من صوت الحيوان الذي يضبح. وحكي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال: ليس يضج من الحيوان غير الخيل والكلاب، وهذا عندي لا يصح عن ابن عباس رضي الله عنه، وذلك أن الإبل تضج والأسود من الحيات والبوم والصدى والأرنب والثعلب، والقوس هذه كلها قد استعملت لها العرب الضبح، وأنشد أبو حنيفة في صفة قوس: [الرجز]
حنانة من نشم أو تالب ** تضبح في الكف ضباح الثعلب

والظاهر في الآية، أن القسم بالخيل أو بالإبل أو بهما، قوله تعالى {فالموريات قدحاً} قال علي بن أبي طالب وابن مسعود: هي الإبل، وذلك أنها في عدوها ترجم الحصى بالحصى فيتطاير منه النار فذلك القدح. قال ابن عباس: هي الخيل، وذلك بحوافرها في الحجارة وذلك معروف. وقال عكرمة: {الموريات قدحاً}: هي الألسن، فهذا على الاستعارة أي ببيانها تقدح الحجج وتظهرها. وقال مجاهد: {الموريات قدحاً}، يريد به مكر الرجال، وقال قتادة: {الموريات}، الخيل تشعل الحرب، فهذا أيضاً على الاستعارة البينة، وقال ابن عباس أيضاً وجماعة من العلماء: الكلام عام يدخل في القسم كل من يظهر بقدحه ناراً، وذلك شائع في الأمم طول الدهر وهو نفع عظيم من الله تعالى، وقد وقف عليه في قوله تعالى: {أفرأيتم النار التي تورون} [الواقعة: 71] معناه: تظهرون بالقدح، قال عدي بن زيد: [الخفيف]
فقدحنا زناداً وورينا ** فوق جرثومة من الأرض نار

وقوله تعالى: {فالمغيرات صبحاً} قال علي وابن مسعود: هي الإبل من مزدلفة إلى منى أو في بدر، والعرب تقول: أغار إذا عدا جرياً ونحوه، وقال ابن عباس وجماعة كثيرة، هي الخيل واللفظة من الغارة في سبيل الله وغير ذلك من سير الأمم، وعرف الغارات أنها مع الصباح لأنها تسري ليلة الغارة والنقع: الغبار الساطع المثار، وقرأ أبو حيوة: {فأثّرن} بشد الثاء، والضمير في {به} ظاهر أنه للصبح المذكور، ويحتمل أن يكون للمكان والموضع الذي يقتضيه المعنى وإن كان لم يجر له ذكر، ولهذا أمثلة كثيرة، ومشهورة إثارة النقع هو للخيل ومنه قول الشاعر [البسيط]
يخرجن من مستطير النقع دامية ** كأن آذانها أطراف أقلام

وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: هو هنا الإبل تثير النقع بأخفافها، وقوله تعالى: {فوسطن به جميعاً} قال ابن عباس وعلي: هي الإبل، و{جمعاً}: هي المزدلفة، وقال ابن عباس: هي الخيل، والمراد جمع من الناس هم المغيرون، وقرأ علي بن أبي طالب وقتادة وابن أبي ليلى: {فوسّطن} بشد السين، وقال بشر بن أبي حازم: [الكامل]
فوسطن جمعهم وأفلت حاجب ** تحت العجاجة في الغبار الأقتم

وذكر الطبري عن زيد بن أسلم: أنه كان يكره تفسير هذه الألفاظ، ويقول: هو قسم أقسم الله به، وجمهور الأمة وعلماؤها مفسرون لها كما ذكرنا، والقسم واقع على قوله: {إن الإنسان لربه لكنود} وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتدرون ما الكنود؟» قالوا لا يا رسول الله، قال: «هو الكفور الذي يأكل وحده ويمنع رفده، ويضرب عبده» وقد يكون من المؤمنين الكفور بالنعمة، فتقدير الآية: إن الإنسان لنعمة ربه لكنود، وأرض كنود لا تنبت شيئاً، وقال الحسن بن أبي الحسن: الكنود اللائم لربه الذي يعد السيئات وينسى الحسنات، والكنود العاصي بلغة كندة، ويقال للخيل كنود، وقال أبو زبيد: [الخفيف]
إن تفتني فلم أطب بك نفساً ** غير أني أمنى بدهر كنود

وقال الفضيل: الكنود الذي تنسيه سيئة واحدة حسنات كثيرة ويعامل الله على عقد عوض، وقوله تعالى: {وإنه على ذلك لشهيد} يحتمل الضمير أن يعود على الله تعالى، وقاله قتادة: أي وربه شاهد عليه، وتفسير هذا الخبر يقتضي الشهادة بذلك، ويحتمل أن يعود على {الإنسان} أي أفعاله وأقواله وحاله المعلومة من هذه الأخلاق تشهد عليه، فهو شاهد على نفسه بذلك، وهذا قول الحسن ومجاهد، والضمير في قوله تعالى: {وإنه لحب الخير} عائد على {الإنسان} لا غير، والمعنى من أجل حب الخير إنه {لشديد}، أي بخيل بالمال ضابط له، ومنه قول الشاعر [طرفة بن العبد]: [الطويل]
أرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ** عقيلة مال الفاحش المتشدد

و{الخير} المال على عرف ذلك في كتاب الله تعالى، قال عكرمة: {الخير} حيث وقع في القرآن فهو المال، ويحتمل أن يراد هنا الخير الدنياوي من ماله وصحة وجاه عند الملوك ونحوه، لأن الكفار والجهال لا يعرفون غير ذلك، فأما المحب في خير الآخرة فممدوح له مرجو له الفوز وقوله تعالى: {أفلا يعلم}، توقيف على المال والمصير أي أفلا يعلم مآله فيستعد له، وبعثرة ما في القبور: تقصيه مما يستره والبحث عنه، وهذه عبارة عن البحث، وفي مصحف ابن مسعود: {بحث ما في القبور}، وفي حرف أبي: {وبحثرت القبور}، و{تحصيل ما في الصدور}: تمييزه وكشفه ليقع الجزاء عليه من إيمان وكفر ونية، ويفسره قول النبي صلى الله عليه وسلم.